السيد أحمد الهاشمي

99

جواهر البلاغة

المبحث الثاني في حذف المسند إليه الحذف خلاف الأصل وهو قسمان : أ - قسم يظهر فيه المحذوف عند الإعراب : كقولهم : أهلا وسهلا فإنّ نصبهما يدلّ على ناصب محذوف يقدّر بنحو : جئت أهلا ونزلت مكانا سهلا ، وليس هذا القسم من البلاغة في شيء . ب - وقسم لا يظهر فيه المحذوف عند الإعراب : وإنّما تعلم مكانه إذا أنت تصفحت المعنى ووجدته لا يتمّ إلا بمراعاته ، نحو يعطي ويمنع أي : يعطي من يشاء ، ويمنع من يشاء . ولكن لا سبيل إلى إظهار ذلك المحذوف ، ولو أنت أظهرته زالت البهجة ، وضاع ذلك الرّونق « 1 » . ومن دواعي حذف المسند اليه إذا دلت عليه قرينة : 1 - ظهوره بدلالة القرائن عليه : نحو : فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ [ الذاريات : 29 ] . أي أنا عجوز . 2 - إخفاء الأمر عن غير المخاطب : نحو أقبل ، تريد عليّا مثلا .

--> ( 1 ) . وفي هذا القسم تظهر دقائق البلاغة ومكنون سرها ورائع أساليبها . ولهذا يقول الإمام ( عبد القاهر الجرجاني ) في باب الحذف : إنه باب دقيق المسلك ، لطيف المأخذ عجيب الأمر ، شبيه بالسحر ، فإنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة ، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق ، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن ، وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر ، وتدفعها حتى تنظر والأصل في جميع المحذوفات على اختلاف ضروبها أن يكون في الكلام ما يدل عليها ، وإلا كان الحذف تعمية وإلغازا لا يصار إليه بحال ، ومن شرط حسن الحذف أنه متى ظهر المحذوف زال ما كان في الكلام من البهجة والطلاوة ، وصار إلى شيء غث لا تناسب بينه وبين ما كان عليه أولا ( والقرينة شرط في صحة الحذف ) إذا اقترن بها غرض من الأغراض المذكورة .